سعيد حوي
509
الأساس في التفسير
الأنصباء إلى الفقراء ، ولا يأكلون منها ، ويفتخرون بذلك . ويذمون من لم يدخل فيه ) . فأنت تلاحظ من صفة الميسر هذه أن ما يسمى باليانصيب اليوم الذي قد يكون قسم منه للفقراء ، والقسم الكبير منه يذهب إلى المؤسسات ، وإلى من يربح من أصحاب بعض الأرقام . هو من الميسر المحرم . وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ : الْعَفْوَ . أخرج ابن أبي حاتم أن معاذ بن جبل ، وثعلبة ( رضي الله عنهما ) أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا : يا رسول صلى الله عليه وسلم ، إن لنا أرقاء وأهلين من أموالنا . فأنزل الله : وَيَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ قُلِ : الْعَفْوَ . والسؤال هنا - والله أعلم - عن مقدار ما ينفقون ، وما يتركونه لأنفسهم . فكان الجواب أن ينفقوا ما فضل عن مقدار حاجة أنفسهم وأهليهم . فلا ينفق الإنسان ما يجهده ، أو يجهد أهله ، ثم يقعد يسأل الناس . روى مسلم عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : ( قال رجل يا رسول الله ! عندي دينار . قال : « أنفقه على نفسك » . قال : عندي آخر . قال : « أنفقه على أهلك » . قال : عندي آخر . قال : « أنفقه على ولدك » . قال : عندي آخر . قال : « فأنت أبصر » ) . وفي صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى . واليد العليا خير من اليد السفلى . وابدأ بمن تعول » . وهل الأمر بإنفاق العفو كان فرضا في أول الإسلام ثم نسخت الفريضة بآية الزكاة ، وبقي إنفاق العفو على الندب ؟ . قاله ابن عباس ، ولم يذكر النسفي غيره . أو أن الأمر بإنفاق العفو كان مندوبا في الأصل ، وبقي على الندب ثم جاءت آية الزكاة لتحدد المفروض ؟ . أو أن الأمر بإنفاق العفو كان فرضا ، وجاءت آية الزكاة لتحدد هذا العفو الواجب ، فآية الزكاة إذن مبينة ؟ . قاله مجاهد وغيره . قال ابن كثير : وهو أوجه ، وعلى كل حال ، فالزكاة هي فريضة المال ، وفي المال واجبات أخرى . ويبقى إنفاق ما زاد عن الحاجة نافلة . وفي الحديث : « ابن آدم إنك إن تبذل الفضل خير لك ، وإن تمسكه شر لك . ولا تلام على كفاف » . كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ * فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ : أي مثل هذا التبيين المار بينه الله لكم لعلكم تتفكرون فيما يتعلق بالدارين . فتأخذون بما هو أصلح لكم ، أو تتفكرون في الدارين ، فتؤثرون أبقاهما ، وأكثرهما منافع . فصار المعنى العام : كما فصل لكم هذه الأحكام ، وبينها ، وأوضحها ، كذلك يبين لكم سائر الآيات في أحكامه ، ووعده ، ووعيده ، لعلكم تتفكرون في شأن الدنيا ، وفنائها . وأنها دار بلاء ، ثم دار فناء . وإقبال الآخرة ، وبقائها . وأنها دار جزاء ، ثم دار بقاء فتعلمون